أنفقوا من طيبات ما كسبتم
الحمد لله رب العالمين نحمده حمدا لا حد له ونشكره شكرا ليس فيه تقصير بل كله زيادة وتوفير ونشهد أنه الله العلي الكبير، لا نعبد أحدا سواه، حين حثنا على الإنفاق بيَّن لنا النفسية العالية التي ينبغي أن نتحلى بها أثناء ذلك فقال:
لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ
ونشهد أن نبينا وحبيبنا محمدا عبدُ الله ورسوله كم كان يحب الإنفاق ويسارع دائما إلى تبشير الذين ينفقون من خيرة أموالهم بالأجر العظيم فقد حكى أنس:
أن أبا طلحة كان أَكْثَرَ الْأَنْصَارِ بِالْمَدِينَةِ مَالًا مِنْ نَخْلٍ، وَكَانَ أَحَبُّ أَمْوَالِهِ إِلَيْهِ بَيْرُحَاءَ، وَكَانَتْ مُسْتَقْبِلَةَ الْمَسْجِدِ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَدْخُلُهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا طَيِّبٍ. قَالَ أَنَسٌ: فَلَمَّا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ، قَامَ أَبُو طَلْحَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ: لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَإِنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِي إِلَيَّ بَيْرُحَاءَ وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ لِلَّهِ أَرْجُو بِرَّهَا وَذُخْرَهَا عِنْدَ اللَّهِ فَضَعْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ حَيْثُ أَرَاكَ اللَّهُ. قَالَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : بَخٍ، ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ، وَقَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ: وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الْأَقْرَبِينَ، فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَسَمَهَا أَبُو طَلْحَةَ فِي أَقَارِبِهِ وَبَنِي عَمِّهِ
أما بعد فلا زلنا وللمرة الثالثة على التوالي نطرق باب الإنفاق في سبيل الله لكن من زاويةٍ جديدة هي زاويةُ تخير ما سينفقه المرء. فقد رأينا في ما سبق أن المنفِقَ يضع نفقته رمزا في يد الله تعالى قبل أن يضعها في يد المسكين فالأحرى به والحالة هذه أن يختار أنفس ما لديه وأطيب ما عنده لوضعه في يد ربه مصداقا لقول الله تبارك وتعالى في سورة البقرة في النداء التاسع من نداءات الإيمان:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَلاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاء وَاللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً
ومعنى هذا أن المؤمن إذا أراد أن يتصدق ينبغي له أن لا يعمد إلى إخراج شيءٍ عنده إلى الفقراء وهو لا يرضاه لنفسه كمن يعمد إلى بقايا الطعام التي توشك أن تكون فاسدة ولم يعد أصلا راغبا فيها فيطعمها غيره ظنا منه أنه قد فعل خيرا أو عمل برا. أو كالذي يتصدق بملابس مقطعة أو بالية وينتشي بفعلته وكأنه أنقد العالم من الفقر! لا يا إخواني، العطاء يكون من ما هو صالح والحمد لله.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله ومن والاه. المؤمن حين يريد الإنفاق، عليه التحلي بنفس عالية طاهرة وتجنب التصرف الدال على البخل والشح والحسابات الخاوية، بل يعطي من أفضل ما لديه فعن عَائِشَةَ قالت:
أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِضَبٍّ، فَلَمْ يَأْكُلْهُ وَلَمْ يَنْهَ عَنْهُ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا نُطْعِمُهُ الْمَسَاكِينَ؟ قَالَ: لَا تُطْعِمُوهُمْ مِمَّا لَا تَأْكُلُونَ
وجاء عن البراء رضي الله عنه أنه ذكر قوله تعالى وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ، قَالَ:
نَزَلَتْ فِينَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ كُنَّا أَصْحَابَ نَخْلٍ فَكَانَ الرَّجُلُ يَأْتِي مِنْ نَخْلِهِ عَلَى قَدْرِ كَثْرَتِهِ وَقِلَّتِهِ، وَكَانَ الرَّجُلُ يَأْتِي بِالْقِنْوِ وَالْقِنْوَيْنِ فَيُعَلِّقُهُ فِي الْمَسْجِدِ، وَكَانَ أَهْلُ الصُّفَّة لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ، فَكَانَ أَحَدُهُمْ إِذَا جَاعَ أَتَى الْقِنْوَ فَضَرَبَهُ بِعَصَاهُ فَيَسْقُطُ مِنَ الْبُسْرِ وَالتَّمْرِ فَيَأْكُلُ، وَكَانَ نَاسٌ مِمَّنْ لَا يَرْغَبُ فِي الْخَيْرِ يَأْتِي الرَّجُلُ بِالْقِنْوِ فِيهِ الشِّيصُ وَالْحَشَفُ وَبِالْقِنْوِ قَدِ انْكَسَرَ فَيُعَلِّقُهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ تَعَالَى: يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ. قَالَ: لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أُهْدِيَ إِلَيْهِ مِثْلُ مَا أَعْطَاهُ لَمْ يَأْخُذْهُ إِلَّا عَلَى إِغْمَاضٍ أَوْ حَيَاءٍ، قَالَ: فَكُنَّا بَعْدَ ذَلِكَ يَأْتِي أَحَدُنَا بِصَالِحِ مَا عِنْدَه
ثم إن مما يُسْتَنبَطُ من ندائنا هذا أن الصدقة تكون من الطيب مما يعني الحلال أي أن لا يكون المال مسروقا أو الطعام سحتا أو ما إلى ذلك فمعلوم أن اللهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبا وليقل دائما المنفق لنفسه إنه بصدقته إنما يخدمها وأن الله لا يحتاج البتةَ إلى ما عنده فهو سبحانه غني لا يقبل الحرام ولا يرضاه وحميدٌ يجزي بحقٍّ الكرامَ المخلصين الذين يتصدقون كما هو مطلوب وبالخصوص الذين يؤثرون على أنفسهم رغم الحاجة غيرَ مكترثين بما يخوفهم به الشيطان من فقر، موقنين بأن ذلك من الأوهام وأن الصدقة تزيد في مال صاحبها ولا تنقصه، لقوله صلى الله عليه وسلم:
مَا نَقَصَ مَالُ عَبْدٍ مِنْ صَدَقَةٍ
فنسأل الله تعالى أن يوفقنا للتصدق بأجود ما نملك. اللهم ارحمنا. اللهم انصر ولي أمرنا نصرا تعز به الوطن والدين اللهم ارفع شأنه كله وأصلح به وعلى يديه ووفقه للخير وأعنه عليه وأقر عينه بولي عهده واحفظه في أسرته وشعبه وارحم كلا من والده وجده وسائر موتى المسلمين والحمد لله رب العالمين.