الحمد لله الذي جعل المساجدَ مضافةً إليهِ وخصَّها بمجاورتِه والوِفادةِ عليه، نحمده تعالى على جميلِ إكرامه وعميمِ إحسانه، ونشهد أنه الله، نوَّهَ بالهَوية العظيمة التي يتمتع بها الذين يملؤون بيوته ويعمرونها بالذكر فقال
إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنَ امَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الَاخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَوٰةَ وَءَاتَى الزَّكَوٰةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اَللَّهَ فَعَسىٰ أُوْلَٰئِكَ أَنْ يَّكُونُواْ مِنَ اَلْمُهْتَدِينَ
ونشهد أن سيدنا محمدا عبدُ الله ورسولُه بين أن الذين يحرصون على ملأ المساجد وإحيائها هم أقرب الناس إلى الله فقال كما رواه البزار عن أنس
عُمَّارُ بُيُوتِ اللَّهِ هُمْ أَهْلُ اللَّهِ
وكيف لا يكون الأمر كذلك وأجرُهم عظيم عند ربهم. قال النبي صلى الله عليه وسلم:
مَنْ تَطَهَّرَ فِي بَيْتِهِ ثُمَّ مَشَى إِلَى بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ لِيَقْضِيَ فَرِيضَةً مِنْ فَرَائِضِ اللَّهِ، كَانَتْ خَطْوَتَاهُ إِحْدَاهُمَا تَحُطُّ خَطِيئَةً وَالأُخْرَى تَرْفَعُ دَرَجَةً
عبادَ اللهِ، إن الحِرصَ على عمارةِ المساجدِ لأعظمُ دليلٍ على قوَّةِ إيمانِ من يفعلها إذ بفعله ذاك هو حريصٌ على المحافظةِ على حقِّ الله في الصلاة وحقِّ المستحقين لها في الزكاة، لأنه هو أكثرُ من يخشى اللهَ وأحقُّ المرشحين لأن يكون من المهتدين، ويكفيه فخرا أن كان من السبعة الذين يظلهم الله تحت ظله يوم لا ظل إلا ظله، وذلك حين قال الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم فيه وعنه
سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ، إِمَامٌ عَدْلٌ وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ — وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ
فكونوا رحمكم اللهُ من عُمَّارِ المساجدِ ولا تألوا، وتأَمَّلوا فيما يمكن جنايتُه بذلك من فضلٍ عظيمٍ ومنزلةٍ عاليةٍ عندَ الله الذي يقول في محكم تنزيله
فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ
هذا وتكون عمارةُ المساجد ببنائِها وإنارتِها وصيانتِها، كما تكونُ بالصلاة وإقامةِ ذكرِ الله وقراءةِ القرآن فيها. ومن النصوص التي تُظْهِرُ فضلَ العمارةِ قصةُ تلك المرأةِ التي كانت في زمن النبي صلى الله عليه وسلم تَقُمُّ المسجد وتنظفه، فماتت ليلا فصلى عليها الصحابة ودفنوها فلما فقدها النبي صلى الله عليه وسلم سأل عنها فقالوا ماتت، فكأنهم صغَّروا من شأنها، فقال عليه الصلاة والسلام
أَفَلَا كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي بِهِ، دُلُّونِي عَلَى قَبْرِهَا، فَأَتَى قَبْرَهَا فَصَلَّى عَلَيْهَا، إكراما لها ولِمَا كانت تقوم به من عملٍ جليل قبل موتها
فلك ربي الحمد والشكر ومنك وحدك المنة والفضل. الحمد لله والصلاة والسلام على رسولِ الله. إن من عمارة المساجد الالتزام بآدابها ومن ذلك تعظيمُ الشعائرِ التي تُقام فيها وَمَنْ يُّعَظِّمْ شَعَائِرَ اَللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ إذِ المساجد داخلةٌ في الشعائر بل هي أعظمها شأنا! ومنها الإتيان إليها بوقار وتحيتُها بالصلاة دونَ أوقاتِ الكراهة. ومنها الجلوسُ حيث انتهى المجلس بالداخل إليها من غير إزعاج لمن فيها. ومنها حمايتُها من التشويش بالكلام الفارغ والهواتف ورفعِ الأصوات فيها كما قال الحبيب فيما صح عنه
مَنْ سَمِعَ رَجُلاً يَنْشُدُ ضَالَّةً فِي الْمَسْجِدِ، فَلْيَقُلْ لاَ رَدَّهَا اللَّهُ عَلَيْكَ، فَإِنَّ الْمَسَاجِدَ لَمْ تُبْنَ لِهَذَا
ومنها أيضا حمايتُها من الخلاف وإثارةُ الشبهات وتَدَخُّلُ أصحابِ الأهواء والمغرضين بتشكيك الناس في أمور دينهم. ث في المسجد، يتعلم الكبيرُ رحمةَ الصغير والصغيرُ توقيرَ الكبير ويتنافس الناس في إسداءِ الخير لغيرهم والرفعِ من مستوى أخلاقهم. وبهذا يصبح المسجد منارةً تهدي الحائرين وتُنير سبيلَ المؤمنين لتحقيق الحياة الطيبة المنشودة والفوز برضوان الله في الآخرة. اللهم اجعلنا هداةً مهتدين وحبب إلينا عمارةَ بيوتك. اللهم أمِّن أوطاننا واجمع شملنا ووَحِّد كلمتنا على الحق وأَدِمْ علينا نِعَمَك وأَعِنَّا على ذكرك وشكرك وحُسْنِ عبادتِك. اللهم ألِّف بين قلوبنا وأصلح ذاتَ بيننا واجعلنا من المقربين لديك. اللهم وانصر وليَّ أمرنا أميرَ المؤمنين وأقرَّ عينه بوليِّ عهده مولاي الحسن وكافَّةِ أفراد أسرته وشعبه آمين والحمد لله
